الدعارة عبر التاريخ
محكيات وتفاصيل سيرة مهنة احتلت الدرجة الأولى ومنذ بداية الخليقة ...هكذا تردد ذاكرة التاريخ ...هي روايات تتعد تفاصيلها وجزئيات تفاصيلها ...تتوزع بين جينات المحكيات القراءات ...يشتغل فيها التاريخ والجغرافية والاقتصاد فالسياسة مرورا بالملل والنحل ...الأمر طبعا يتعلق بمهنة بيع اللذة الجسدية.
...كثر الكلام والشرح وشرح الجزئيات ...مهنة ضاربة في أعماق تاريخ البشرية ، هكذا يحفظ عمق الذاكرة والمخيال الانساني ومن خلاله ذاكرة الانسان الآني .
الحديث عن مملكة الدعارة هو كلام من باب تحصيل الحاصل ، بل هو في الأصل والفصل كلام معاد بصيغ تختلف وفق مزاج من اتخذ القضية موضوعا للاشتغال ، تعلق الأمر بالشرح والتوضيح وتسليط الأضواء ، أو من أجل استهلاك تفاصيلها في إحاطة إنسانية حقوقية ، او سياسية لحظية يتطلبها مشروعامناسباتيا وبالتالي يتم التعامل معها كآفة ضمن رزمانة المآسي التي تعترض مسيرة تطور ما .
سأختصر المسافة التي من المفروض أن أبسطها في الحديث عن الآفة أي الدعارة وأنطلق من أول شماعة تعلق عليها مسبباتها ودواعيها والأمر يتعلق بالفقر ومتعلقاته ....سأختصر لكي أصل إلى النتيجة التالية ...حينما يصيب سقم الحاجة والعوز الوطن وتلتجىء فئة من ساكنته إلى احتراف أقدم مهنة في التاريخ حتما يبدو وكأن الوطن في حد ذاته ماخورا كبيرا تتربع على سدته دولة تشرف على تجميع الايراد
عالم البغاء أو الدعارة لا يمكن تحديد طبقاته وفئاته الاجتماعية ، كما يستحيل أن ترتبه على نفس الايقاع والعادة والتقليد ...عالم يتطور ...عالم يساير زمانه ...ارتقاء مجتمعه وانحطاطه . ولأن الأمر كذلك سأنطلق من الحقيقة التي يحملها التاريخ ، على الأقل نقتنع بأن تجارة بيع اللذة الجسدية تصبغ بلون عصرها ، فهذا الخديوي توفيق الحاكم الذي ورث عرش دولة عربية فرض عملية تنظيم الدولة لمهنة الخدمات الجنسية ، أقر هذا لأسباب صحية ، في أعقاب الاحتلال البريطاني لبلد عربي مباشرة بدأت وزارة الداخلية في إصدار قرارات تنظيمية إضافية ، وفي عام 1905 صدر قانون شامل أجاز البغاء في مناطق معينة وألزم النساء العاملات بالخدمات الجنسية بإجراء فحص طبي أسبوعيا وظل هذا النظام ساري المفعول إلى عام 1949
...............................................
وإذا كانت الدعارة حرفة تلازم الانسان أينما حل وارتحل تصبغ بلون الحدث فإن استحضار التصاق الدعارة للتظاهرات الدولية أمر وارد ولا يحتاج إلى توضيح ، سأنطلق من أم الرياضات في تظاهراتها الدولية والأمر يتعلق بكرة القدم ، ففي شهر ماي 2005نقلت وسائل الاعلام في مدينة برلين خبر استيراد أكثر من 40 ألف امرأة إلى السوق الألمانية بمناسبة الحدث ، نحن الآن لسنا بصدد الفضائح الرياضية ولا متعتها كما يصف ( إدوارد دوغاليو ) في كتابه الشهير ( كرة القدم في الظل وفي الشمس ) ولا مع تماهي المتفرجين مع لاعبيهم ، بل نحن بصدد متفرج بصيغة أخرى ....لا يجلس أمام الشاشة ...لا يملأ المدن ومدرجاتها الرياضية ، هو متفرج يجلس في غرف الفناذق والبيوت المحصصة لكبح نشوة النصر وحزن الخسارة بعد كل مباراة ...إنهن غانيات كأس العالم ***3
وعلى نفس المنوال يصدق الحديث هذا على المهرجانات السينمائية والفنية عموما والمؤتمرات وما يشبه ذلك
الحكاية موضوع البحث تقودنا أيضا إلى ارتباط تجارة المتعة الجنسية بالأوضاع السياسية الناجمة عن انقلابات أو تغيير في الاتجاه ، فهذه بلغاريا البلد الصغير الذي انفصل عن الاتحاد السوفياتي عام 1992 قدرت فيه منظمة الاغاثة أن 15000امرأة وقعن ضحية لمهربي البشر من أجل تجارة الجنس
لم يقف المجتمع الدولي مكتوف الأيدي أمام الآفة حيث صنف الدعارة ضمن المآسي التي تعترض البشرية ، فتضامن المجتمع الدولي الذي انبثق حول مبادىء حقوق الانسان وحرياته الأساسية ولإقرار كونيتها وعدم تعرضها للتجزيىء أو التنازل ، وأيضا الاصرار على إقرارها وتحصينها والدود على تطبيقها ، تعد هذه أمور أساسية لأن التعاون الدولي ألح على التجاوزات التي تمس الانسان في تاريخه ومحيطه وعرضه وعرقه ووضع لذلك رزمانة لهذه الآفات بدءا من الاسترقاق والتعذيب والاضطهاد وتجارة الرقيق الأبيض والارهاب ...بموجبها صدر الاتفاق الدولي لمكافحة الرقيق الأبيض عام 1904 ثم اتفاقية 1910الخاصة بمكافحة الاتجار الجنسي
.................................................. ............................................
ولأن التجارة تتخذ لون عصرها كما سبق أن استطردت لا تفوتنا المناسبة دون أن نربط هذه المقايضة العينية بعالم المال والأعمال وأكثر تحديدا الاقتصاد...ولأن شبح عولمة متوحشة جاثمة ولا محالة ، بأشكال متفاوتة يمكن أن يسجل انتقال نوعي لهذا الاقتصاد العالمي ويدخل مرحلة جديدة تضخمت على إثرها رساميل فاضت على الحاجة وتجاوزت سقف الحسابات فمرد ذلك وبدون مناقشة إلى ارتباط الاقتصاد بأشكال متعددة من الفساد ، في مقدمتها السرقة والمتاجرة بالمخذرات والرشاوى والنصب والاحتيال و نهب الثروات الوطنية للبلدان التي تشتكي من الانهيار السياسي ، يستحضر طابور الفساد أيضا تجارة الرقيق الأبيض أي البغاء ، وكنتيجة طبعا تكثر الأرصدة المشبوهة في عالم الأموال الفاسدة القذرة ، وبما أنه يصعب ادخارها في المؤسسات البنكية فطبيعي أن توثق في حسابات سرية غير مشروعة وبأسماء نظيفة وا لعملية برمتها تسمى غسيل الأموال القدرة ، وهكذا صار المصطلحان ( غسيل الأموال - و تبييض الأموال ) بمعنى واحد ، وهذه الظاهرة الخبيثة إحدى ثمار العولمة المتوحشة ....إنه الاقتصاد البديل أو الاقتصاد الخفي أو الاقتصاديات السوداء أو اقتصاد الظل
هذه بعض من مسار امبراطورية الدعارة في علاقتها بالتاريخ ، يختزل الفعل وعبر المسار طبعا في طبيعة تجارة أومقايضة ، تكون فيها الأجساد للبيع أو الايجار مقابل خذمات تتنوع من السياسية إلى الاقتصادية وصولا أيضا إلى الديني
لكن ومهما يكن الأمر وكيفما كانت الأسباب والدواعي والتبريرات التي يتربع في مقدمتها الفقر والحاجة يمكن الانتباه مليا إلى أنه حينما يصيب سقم الحاجة والعوز الوطن وتلتجىء فئة من ساكنته إلى احتراف أقدم مهنة في التاريخ يترأى وكأن الوطن في حد ذاته ماخورا كبيرا تتربع على سدة هرمه الدولة ، تشرف على تجميع الايراد